واد الناقة اليوم

أول موقع يجمع بين أخبار المقاطعة والوطن

Non classé

إدارة التنوع.. خارطة طريق وطنية من وحي الهدي النبوي بقلم: جالو أمادو كورل المنسق الوطني للمنسقية الوطنية لأصدقاء رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني

من المركز الدولي للمؤتمرات المختار ولد داداه بنواكشوط، وفي الرابع عشر من سبتمبر 2026، وجه فخامة رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، خلال افتتاح الدورة التاسعة والثلاثين من المؤتمر الدولي للسيرة النبوية، المنعقد تحت عنوان الهدي النبوي في إدارة التنوع والاختلاف وتعزيز المشتركات، رسالة وطنية عميقة تتجاوز سياق المناسبة إلى قضية تمس حاضر الدولة ومستقبل المجتمع.

 

لقد وضع فخامة الرئيس يده على حقيقة أساسية، مفادها أن التنوع والاختلاف جزء طبيعي من الوجود الإنساني، وأن التحدي الحقيقي لا يكمن في وجودهما، وإنما في كيفية إدارتهما وتدبيرهما وتحويلهما من مصدر محتمل للتوتر والانقسام إلى مصدر للإثراء والتكامل والقوة.

 

وهنا تكمن القيمة السياسية والمجتمعية الكبرى لهذا الخطاب؛ فهو لا يتعامل مع التنوع باعتباره مشكلة ينبغي تجاوزها، وإنما باعتباره حقيقة وطنية ينبغي حسن إدارتها، من خلال تعزيز المواطنة، وترسيخ الحوار، واحترام المخالف، والتمسك بالمشتركات الجامعة.

 

وفي تقديرنا، فإن هذا التصور يمثل مدخلا مهما لبناء مجتمع أكثر تماسكا، لأن الدول لا تقاس بقدرتها على إزالة الاختلاف، وإنما بقدرتها على تحويله إلى طاقة إيجابية تخدم الاستقرار والتنمية والوحدة الوطنية.

 

لقد أكد فخامة الرئيس أن حسن إدارة التنوع والاختلاف يعزز اللحمة الاجتماعية ويسرع مسيرة التقدم والنماء، بينما يمكن أن يؤدي سوء تدبيرهما إلى إضعاف روابط المواطنة وتهديد الاستقرار والوحدة الوطنية. كما دعا إلى استحضار القيم النبوية القائمة على المساواة في الكرامة، والتآخي، والتكافل، وقبول الآخر، والعدل والإنصاف، وتحويل هذه القيم إلى ممارسات حاضرة في المؤسسات وتدبير الشأن العام.

 

ومن هنا، فإن مسؤولية تنزيل هذه الرؤية لا تقع على مؤسسة واحدة أو فئة بعينها، بل هي مسؤولية جماعية تبدأ من مؤسسات الدولة وتمتد إلى الأحزاب السياسية والمجتمع المدني والعلماء والمثقفين والإعلاميين وكل مواطن يؤمن بأن قوة موريتانيا تكمن في وحدتها وتنوعها وتكامل مكوناتها.

 

وهنا يبرز الدور المحوري للإدارة المحلية، باعتبارها الأقرب إلى المواطن والأكثر احتكاكا بتفاصيل حياته اليومية. فحسن إدارة التنوع لا ينبغي أن يبقى شعارا يقال في المناسبات، وإنما يجب أن يتحول إلى ممارسة يومية تظهر في استقبال المواطنين، وفي إنصافهم، وفي عدالة التعامل معهم، وفي احترام آرائهم، وفي مكافحة الإقصاء والغبن والمحسوبية، وفي ضمان وصول الخدمات العمومية إلى مستحقيها وفق القانون والإنصاف.

 

إن الدولة القوية ليست تلك التي تنفي الاختلاف، وإنما تلك التي توفر الإطار المؤسسي والقانوني الذي يجعل الاختلاف عاملا للتكامل، ويجعل المواطنة المظلة التي يتساوى تحتها الجميع.

 

ومن هذا المنطلق، فإن الهدي النبوي يقدم مرجعية أخلاقية وإنسانية عميقة في التعامل مع الاختلاف، تقوم على صيانة الكرامة الإنسانية، وإعلاء قيم العدل والرحمة والتآخي والتعاون، وهي قيم يمكن أن تتحول، حين تجد طريقها إلى الممارسة العامة، إلى عناصر أساسية في بناء مجتمع متماسك ومتوازن.

 

وهناك قاعدة بالغة الدلالة يمكن استلهامها في هذا السياق: الإنسان الذي يشعر بأنه شريك حقيقي في بناء وطنه، يصبح أكثر ارتباطا به وأكثر حرصا على استقراره وحمايته. وكلما اتسعت دائرة المشاركة، وشعر المواطن بأن جهده ومساهمته مقدران، تعززت لديه رابطة المواطنة، وأصبح أكثر استعدادا للدفاع عن الصرح الوطني الذي يساهم في بنائه.

 

إن موريتانيا اليوم في حاجة إلى توسيع مساحات المشاركة، وتعزيز الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، وترسيخ ثقافة الحوار، والابتعاد عن كل خطاب يمكن أن يحول الاختلاف الطبيعي إلى خصومة أو الانتماء إلى وسيلة للإقصاء.

 

ومن هذا المنطلق، فإننا في المنسقية الوطنية لأصدقاء رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني، نرى أن خطاب فخامة الرئيس بشأن إدارة التنوع والاختلاف يمثل دعوة واضحة إلى تحويل القيم الجامعة إلى سلوك وممارسة، وإلى جعل المواطنة والمشتركات الوطنية أساسا للعلاقة بين أبناء الوطن الواحد.

 

ونحن في المنسقية نؤكد دعمنا لكل جهد وطني يسعى إلى تعزيز الوحدة الوطنية، وترسيخ ثقافة الحوار، واحترام القانون، وتوسيع دائرة المشاركة، ومكافحة كل أشكال الإقصاء والغبن، بما ينسجم مع الرؤية التي عبر عنها فخامة رئيس الجمهورية في خطابه.

 

إن المشروع الذي تحدث عنه فخامة الرئيس لبناء مجتمع متصالح مع نفسه، متجاوز لآثار الإرث التاريخي والإنساني، وقادر على تحويل تنوعه إلى مصدر قوة لتحقيق طموحاته، ليس مشروع مؤسسة أو جماعة، بل هو مشروع وطني يتطلب مساهمة الجميع.

 

ومن هنا، فإن مسؤوليتنا جميعا أن نجعل من تنوع موريتانيا مصدر ثراء، ومن اختلافها مجالا للتكامل، ومن مشتركاتها الوطنية أساسا لوحدة أبنائها.

 

فموريتانيا التي تتسع لجميع أبنائها، وتحفظ لكل مواطن كرامته وحقه في المشاركة، هي موريتانيا الأكثر قدرة على مواجهة تحديات المستقبل، وتحقيق الاستقرار والتنمية، وبناء مجتمع متصالح مع ذاته، واثق من مستقبله، ومتمسك بوحدته الوطنية.

 

فلنجعل من تنوعنا قوة، ومن اختلافنا تكاملا، ومن مشتركاتنا جسرا يصل أبناء موريتانيا بعضهم ببعض، ولنجعل من الهدي النبوي في إدارة الاختلاف والتنوع منهجا يعزز الأخوة والوحدة والعدل والإنصاف، ويقودنا نحو موريتانيا أكثر تماسكا واستقرارا وقدرة على تحقيق طموحات أبنائها.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: