في ذكرى وفاته: الشيخ محمد سالم ولد عدود…العلامة الشاعر

في ذكرى وفاته: الشيخ محمد سالم ولد عدود…العلامة الشاعر

حل اليوم الذكرى التاسعة لوفاة العلامة محمد سالم بن عدود أبرز علماء البلاد، وأحد الذين تركوا عليها بصمات متعددة الملامح في الفقه والتشريع القانوني وفي قيادة المجتمع وفي الإصلاح العام

محمد سالم

طالما ظلت مقولة ’’أدب العلماء ’’ حاضرة بقوة في التراث النقدي العربي ليعبر بها عن جزء من الشعر العربي أريد له أن يكون ذا مميزات خاصة ليس فقط على مستوى المضامين التي طالما نعتت بأنها باردة وتنقصها حرارة الشعر ورهافة الحس،أو على مستوى المضامين التي ظلت وفية لإطارها الذهني الذي هو العلم والفقه،والذي تسرب كثيرا إلى مفردات القول الشعري في كثير من المنتوج الأدبي المنسوب إلى شعراء علماء.

ولإن كان الشافعي رحمه الله قد أعلى النقيصة على الشعر لا ’’معتبرا أن ’’ الشعر بالفقهاء يزري’’ فإن النقاد القدماء طالما واجهوا  شعر الفقهاء بتصور مماثل،ليسموا بهذا السمة كل شعر بارد،يصدر عن نفس غير مكتوية بأحاسيس دافقة.

ولإن سجل التراث العربي القديم أسماء لامعة مثل  عروة بن أذينة وغيره من الشعراء العلماء،فإن فقيد موريتانيا الكبير الشيخ محمد سالم ولد عدود كان أحد هؤلاء الذين يستحق منتوجهم الشعري التوقف عنده لكثرته أولا وتوسع صاحبه ولجماليات حوتها كثير من قصائده،تأسيسا على المقاييس الشعرية التي يكتب لها ويكتب بها.

ولاتبدو كلاسيكية الإنتاج الشعري عند الشيخ عدود مفارقة من رجل قيل إنه يحفظ القاموس المحيط،ولسان العرب ويحفظ آلاف القصائد،ويرى في العرب لسانا وثقافة وهوية أساسا حضاريا، تحددت بوصلته مع الإسلام.

وتتوزع الخريطة الشعرية للشيخ محمد سالم ولد عدود مدارات متعددة منها الكلاسيكي مضمونا وإطارا فنيا،غير أن ذلك لم يمنع من ظهور معالم حداثية في المضامين،مثل الاهتمام بقضايا المجتمع ونقض الظواهر الجديدة فيه،وكذا الاهتمام الكبير بقضية فلسطين وهم الوحدة العربية،الذي أخذ من الشيخ محمد سالم ولد عدود جانبا هاما ظل مفعما بروح عروبية صارخة.

   على بير الأجم

بين رمال وعثاء تدعى ’’رمال الأجم’’ على بعد 120 كلم شمالي شرق نواكشوط دفن الشيخ محمد سالم ولد عدود،بين رواب ورمال التقط فيها أولى صور الحياة،وعليه فيها شدت تمائم الإبداع الأول،ومن هذا الأرض انطلق الشيخ عدود مغردا ذات مساء،عاقدا المقارنة بين روابي الأجم وصحراء ’’تيرس’’ وروابي التيلميت في الجنوب الموريتاني،عندما كان يؤكد أنه يحب أرض’’ تيرس’’ لكنه لا يلائم طباع ساكنتها،ويحب سكان بوتلميت،لكنه لايلائم هواء أرضهم،وليصوغ من معجم الصحراء هذا الشعور شعرا

خلوا  النفوس  وحبها  أجناسها

وبلادها   واستجلبوا    إيناسها

نهوى  أناسا  لا  نلائم  أرضهم

ونحب  أرضا  لا  نلائم   ناسها

فإذا  أتينا  الأرض  لم  نتناسهم

وإذا  أتينا  الناس  لم   نتناسها

كالظبية  الدماء  نغص  عيشها

ألا   تضم    قرينها    وكناسها

لم نسه عن ذاك الخليط ولا أرى

ذاك  الخليط  لفضله  عنا  سها

وحلية الأبيات كما هو واضح ليست في قيمة التخييل ولا الكثافة الفنية للصور المعبرة،بقدر ما كانت الانسجام مع الذهنية القديمة للشعر العربي،عبر المحسنات اللفظية ونظام الفواصل وجرس الحروف المكررة،كما أن صور القطعة واردة من رمال الصحراء’’ الظبية الأدماء،القرين،الكناس’’،إضافة إلى السياق البلاغي،ولزوم مالايلزم،وتبدو المحامل اللفظية معجمية،تتناسب دائما مع جزالة اللفظ وفخامته بما هو هدف أساسي عند الشعرية العربية القديمة.

جانب آخر يتعلق بالمضامين التي خصص لها الشيخ محمد سالم هو فن الرثاء،وقد برع فيه الشيخ محمد سالم – اعتمادا على مقاييس الشعرية التقليدية- حيث يسجل فيه ملامح ثقافته ونفحات شعوره نحو الفقيد،ومن المتداول من شعر الشيخ في المراثي قطعته الذائعة في رثاء سميه القاضي محمد سالم بن ألما الشنقيطي

ما عسى أن أقول في شيخ صــــدق

 أوتي الحكم والكتاب صبيا

عــاش في طاعــــة ثمانين حــــولا

 يعبـــــــــــــد الله بكرة وعشيا

ينظــــر الغافلون مـــا هو فيـــــه

فيخرون سجـدا وبكــــــيا

يحسب النــــاس أنـما كـان شيخنا

عالــــــــــــما عاملا تقيا نقـيا

زاهــدا عابــــدا صؤوما قــــــؤوما

عارفا كامـلا وليا زكــــــــــيا

ســــيـــد أيــــدا مطــــــاعا مهــيـبا

هييـنا لينا كريـما حيــــــــــــيا

طاهر القلب ظاهر البشر سهلا الـ

ـ ــخلق حلو الحوار عذبا شهـيا

طائر الصيت عالي القدر جزل الر

 أي ثبت الجنــــان شهما ذكـيا

ما خلا مـن وصف بــــه يحمد النا

س بلى لم يكن رســـــولا نبيا

وعلى هذا السياق تتوادر قصائده المتعددة في المديح النبوي والإخوانيات التي خلف فيها تراثا كبيرا،أودعه ثقافة واسعة لاتخلو من طرافة وفكاهة،وإن حملت أيضا نفسا حزينا في بعض مقطوعاته التي يعلن فيها تبرمه من خضوعه وهو القاضي والفقيه الشرعي لمقتضيات القانون الفرنسي،ليصوغ حسرته هذا في نفس عروبي ناقم.

كفى حزنا أن لا يـــزال يقودنا

إلى الخسف داع من دعــاة جهنما

وفي شيعة الدجال نبقى وحزبــه

وأسرتنا جنــد المسيح ابن مريما

فيا عجبا من كـــافر قاد مسلما

ومن عربي شاقــه صوت أعجمـا

الفقيه العروبي الثائر

جانب آخر من الشخصية الشعرية عند الشيخ محمد سالم ولد عدود لم تستطيع قامته العلمية السامقة إخفاؤه وإن ظللته بملامحه الإسلامية الوارفة،وهو حسه العروبي المرهف واهتمامه الجارف بقضايا الوحدة العربية،وباستقلال موريتانيا،وقد حز في نفسه وقوف بعض الدول العربية ضد دخول موريتانيا إلى الجامعة العربية،منتقدا في نفس الوقت قوى سياسية أرادت أن تتجه موريتانيا صوب الجار الإفريقي الجنوبي،ويعتبر الشيخ عدود موريتانيا مهرة عربية لايمكن أن تجري في غير المضمار العربي

مالي أراك رغبت عن آبائك

أترينهم في المجد دون أولئـــك؟

هـل أنت إلا مهرة شرقيـة

يجــري الدم العربي في أحشائك؟

ويتجاوز الحس العروبي عند الشيخ عدود حاجز القطرية،ليصل إلى فضاء أوسع،ناقما على العرب تشتتهم وضعف كلمتهم.

سئمت الشعـــر حتى ما أقيم

 لـه وزنـا فسالمـه سقيــم

ومارست البحور ومارستــني

 فمعـــوج علي ومستقيـــم

يبث أخي عدوي ســر سري

فكيف ترون حــالي تستقيــم؟

ويحرقني العدو بنفــط أرضي

 فما أدري أأظعـن؟ أم أقيـــم؟

فليت النفـط بالدمـام مــاء

 تقيـم عليـه قيــس أو تميـم

وليت الأرز في لبنان مــرج

 تروض بـه قضاعـة أو تسيـم

ويرسم الشيخ محمد سالم ولد عدود عالمه العروبي بين فضائين هما الماضي العربي الزاهر ومقومات النهضة الكامنة في هذا التراث والأمل المجنح في أن ينبلج صبح ما عن عرب يملكون القوة الذرية الضاربة على حد تعبيره.

ليس للرجعيّ فينا مـن نسـبْ

كلُّ رجعيٍّ دعيٌّ فـي  العـربْ

لم نزل في الشأو نمشي قُدُمـاً

ليس يُلهينـا لُغـوبٌ  ونَصـب

كـم تَفرّقْنـا زمانـاً شِيَـعـاً

فتوحّدنـا لـشـرٍّ  مُرتـقَـب

كم خمدنـا ثـم ثـارتْ نارُنـا

من شرار كامنٍ تحت  الحطـب

نبضـةٌ قلبيّـة مـن  يَـمَـنٍ

أنبضتْ من مصرَ قلباً  فوجـب

ثم أصغى من هنا أو ها  هنـا

كـلُّ قلـبٍ عربـيّ  فاقتـرب

عـدنٌ كارهـة قـد  أُدمجـتْ

في إمارات الجنـوبِ الملتهِـب

وفلسطـيـنُ لـنـا غائـبـةٌ

بقطـاع عـربـيٍّ مُغتـصَـب

قاسـمٌ أقـسـم لا يصحبـنـا

سوف يرضى قاسمٌ بعد الغضب

سُحبٌ قـد عكّـرتْ  أجواءنـا

سنرى الشمسَ إذا الغيمُ ذهـب

إنْ يقل مستعمِـر مَـنْ  أنتـمُ

قلتُ واسمي سالمٌ نحن  العرب

ليت شعري هل ترى بين العربْ

وحدةً تبقى على مَـرِّ  الحِقَـب

قــوّةً ذريّــة  ضـاربــةً

ما لها بالشرق والغرب سبـب

ويبدو النص وثيقة تاريخية ناطقة بالخلافات العربية القديمة،وقطاعات الضعف العربي،لتتحول إلى نص زماني ومكاني أكثر من شعرية دافقة.

وتتحول دعوة الشيخ عدود إلى نداء صارم للجهاد

أيها النائمون ماذا الرقـــــاد؟ غركـم من ’’كيسنجـر’’ التــرداد

أيها الجانحون للسلم مهــــلا

لا يرد البلاد إلا الجــــلاد

أيها الجانحون للحــــل بالوا

قع أين الإيمان؟ أين الجهـاد

من طرائف الشيخ عدود

ترك الشيخ محمد سالم ولد عدود كما هائلا من الشعر الفصيح والشعر الشعبي حوى كثيرا من ملامح الطرف والفكاهة ويروي صديقه الأستاذ حمدا ولد التاه إنه سافر معه في رحلة في الطائرة،وأخذ الشيخ حمدا يصف مشهد المضيفات فقال

وقفت بين سائـح و  سياسـي

ترشد الناس في خفيف  اللباس

ورمتها العيون وهـي تناجـي

فى هدوء مجموعة الأجـراس

وأشارت أن المقاعـد تحـوي

سترة للنجـاة عنـد  الإيـاسِ

فوجمنا وقـد بـدت  كلمـات

لاتدخن ،وألبس حزام الكراسي

فصعدنا وفى النفـوس رجـاء

وإلتجـاءٌ لخالـق الأجـنـاس

واستوينا فى الجو ثـم شربنـا

فترى القوم بين عار  وكاسـي

أتحفتنـا بالحلويـات  جميعـا

وبأكل يأتيـك فـى  الأكيـاس

فنزلنـا فشيعتـهـا  عـيـون

قطع الله وصلهـا  بالمواسـي

ثم سكت فأكمل الشيخ محمد سالم قائلا

ليت هذي الفتاة كانت  تراعي

حرمة الشرع أو شعور الناس

الزنكلونيات

في السمر الرمضاني في التلفزيون الموريتاني كان الشيخ عدود فارس الميدان وكثيرا ما تبادل مع زميله الأستاذ حمدا ولد التاه مسامرات شعرية خفيفة من ذلك قول الشيخ حمدا مشيرا إلى مسلسل تلفزيوني يدعى ’’ الزنكلوني’’

الخلق بين  شوؤن

كثيـرة وفـنـون

البعضُ منهم بسيط

وبعضهم زنكلوني

فقال عدود:

بالشيخ حمدا صلوني

وعنه لا تفصلونـي

إني على العهد  منه

وإن هـمُ عذلونـي

على ثبـات فمالـي

تلـوُّنُ  الزنكلونـي

فقال حمدا:

الدهـر كالمنجـنـون

يجري بنا في  سكـون

لإنْ قضينـا  زمـانـا

في غفلـة ومجـون

فقـد قضينـا  زمانـا

في صون شعر مصون

والشيخ عدود  يحكـي

نوادرها مـن  فنـون

وتــارة  نتـسـلـى

فى عالـم الزنكلونـي

المتنبي والدنمارك

حضر المرابط محمد سالم مهرجان المربد في العراق فسمع أحد النقاد يقول إن الصور الشعرية عند المتنبي تشبه مثيلات لها في الأدب الدانماركي، فلم يرق هذا الحكم النقدي للشيخ وربما لن يروقه هذه الأيام. فقال لحاضري المهرجان إن هنالك بيتين للمتنبي لم ينشرا قط في ديوانه وهما:

بغاني ناقدي في كل أرض

 ليدركني  وعز عليه تركـــي

بغاني في عكاظ فلم يجدني

فغرَّبَ باحثا في الدانمــرك

على البئر

من أول المحفوظ من شعر الشيخ محمد سالم ولد عدود قوله وهو ابن ست سنوات،عندما ذهب يستقى لأهله الماء من بئر قريبة منهم،وركب أتانا، فتخيل الطفل الشاعر نفسه على ظهر جواد عربي أصيل وقال

سَرَاتك سرجي والرِّشاءُ رِكابي

 وزَنْدكِ في التقريبِ ليس بكابي

فِداكِ كُراعٌ والحَرُون وداحسٌ

 وعَلْوَى وجَلْوَى والعَطَا وسَكَابِ

ليجمع بذلك أسماء ستة من أشهر الخيل العربية.

رحم الله الشيخ محمد سالم ولد عدود الفقيه الشاعر والأديب.

ريم آفريك