تأبين للراحل محمد المصطفى بن غابد

لعلها أول مناسبة أسمحُ فيها لنفسي بولوج العالم الافتراضيّ مُعزياً ومؤبِّناً ( ليسا مترادفين) لِما انتهى إلى مَسْمعي أمس ـ 2/6/1439هجري 17/2/ 2018م ـ منْ نعي رجل المكرمات الحَقَّةِ وانتقاله من داره المعمورة إلى جوار ربه الكريم في عالم الحقيقة وإلى دار النعيم .

 الوجيه المحسن المرحوم : محمد المصطفى بن أحمد سالم بن غابد .. رجلٌ عرفته وعرفتُ عنهُ ، وطابَق حديثي فيه حديثَ عارفيه .. كأنَّ سخاوة النفس وكرمَ الطباع وطولَ الباع في أنواع الفتوة صفاتٌ ذاتيةٌ فيه كطول قامته ونبرة صوته ـ ليستْ عرضيةً ـ حيث لا يتمارى فيها اثنان

ومن المبشرِّات له ـ وهي كثيرة ـ أنه : ناهزَ التسعين أو جاوزها فأحرزَ الوعْدَ الوارد في الحديث الذي يُحتجُّ به في فضائل الأعمال (..فإذا بلغ تسعين غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر وسمي أسير الله في أرضه وشفع لأهل بيته) ـ رواهُ الإمام أحمد في مسنده ـ ولا أظنُّ مَوْلدَهُ إلا قبل: 1350هـ 1932م ـ

وقد ترك سمعةً طيبةً لم يتعلق بأهدابها كثيرٌ من المعمرين أصحاب المئين

والحديث عن كرمه و احتسابه الأجرَ وفتوته فضفاضٌ وطويلٌ ثوبُه ـ كما يصف المتنبي ـ :

وقد أطالَ ثنائي طولُ لابِسه إنَّ الثناءَ على التنبال تِنْبالُ

نشأته:

نشأ ـ رحمه الله ـ واجتاز المراحل التي يمرُّ بها أبناءُ مجتمعه ، من تعلُّم في المحاضر وتكسُّب حَلالٍ من خِلالَ المتاجر ـ حيثُ تسعة أعشار الرزق ـ فدرسَ على العالم المربي التاه بن يحظيه بن عبد الودود ت 1415هـ ـ ضمن مجموعة من ذويه ـ وتوطدتْ صلته به واستمرتْ وتعدّتْ إلى شيوخ شيوخه ومعتقَديهم كآل متالي وآل آلما،بل تجاوزتْ علاقاته الاجتماعيةُ محيطَ ولايتي الترارزة وانواكشوط بفضلائهما وأرباب العمل فيهما

رِيادتُه في العمل الخيري :

كان المرحوم : محمد المصطفى بن أحمد سالم بن غابد من أبرز رجال الأعمال ـ في انواكشوط ـ وأسبقهم للعناية بالعمل الخيري في صورته العفوية التي لا يُقصدُ من ورائها ثناءٌ منظوم أو تلميعٌ لشخصه في المجامع والجوامع بل كانت هباته مغلفةً بالسريّةِ ، كان يمتلك مخبزةً تجاريةً يذهبُ الكثيرُ من خبزها المستطيل مع الفجر المستطير إلى الفقراء في الأحياء العشوائية (الكبة) وإلى طلبة المحاضر وكانتْ له شاحنةُ في الستينيات والسبعينيات يوصي سائقها في الذهاب والإياب بحمْل بعض الناس مجاناً ،

كان كثيرَ الغاشية وكانتْ دارهُ التي في لكصر بمثابة مَضافةٍ مفتوحةٍ وأحيانا كمنتدىً أدبيٍّ، كنتَ تجدُ في بيته العلماء والأدباء والقضاة والصالحين والمتمصلحين وأهلَ البادية القادمين لتوِّهمْ منها، يغمر الجميعَ بنواله وجميل خصاله وقدْ تجد معه ـ مساء ـ قاضي انواكشوط العلامة الأديب : الإمام بن الشريف رحمه الله واكليكم ولد متالي والعلامة نافع بن حبيب بن الزائد وغيرهم وأظن أن القاضي المرحوم : سعدنا ابن الشيخ المعلوم لو وُزِّعتْ أيامُ مقيله بين بيته وبيت أهل غابد لنالتْ دارهم النصيب الأوفرَ من تلك الأيام .

وحدثني : في مجال ذوقه الأدبي الرفيع وخصوصيته للشيخين الوالد: محمد عمران بن سيدي ابن الفغ وصديقه الخاص: سيدي أحمد بن سيدات بن الشيخ المعلوم ـ رحمهما الله ـ أنه كان اذا اجتمعا عنده ـ قبل حجِّ الثاني ـ ينتهز فرصةَ وجودهما معا فيذهبُ لبادية عنده يستطيبُ هواءها وهدوئها فيستعيدون ثلاثتهم بعض الذكريات المشتركة، وقال : إنَّ أكثرَ ما كان يُعجبه ويطربُه :عذوبةُ إنشادهما ـ خلال َ السَّمر تحتَ قُبَّة السماءِ ونُورها الأْلاءِ ـ لشعر غيلان ووفرةِ ما يحفظان منه خاصة ـ ما شاء الله ـ

وكان العلماء وشيوخ المحاضر يكنون له احتراما كبيراً ويثنون عليه لما ينالهم وينال طلابهم منْ فوائده التي منها: الأكسية والأغطية والأغذية والآلاف من الأوقية .

وأذكر هنا أن دارا له كانتْ محجوزة للبنك في بعض المعاملات التجارية فسعى الإمام العلامة : بداه بن البوصيري ـ رحمه الله ـ لفكِّ حجزها و إعادتها له ـ بعد طول الحجز وتعدد الأسباب ـ فلما رجعتْ له

أتيتُ الشيخ بداه مسلماً عليه وشاكرا سعْيَهُ بأبياتٍ هي :

لإن رجعتْ بالحبر حلفِ المشاهد إمامِ الورى بدّاهُ دارُ ابن غابد

فماهي إلاَّ (حُلَّةُ الجود) للفتى توارثها الأقوام منْ كلِّ ماجد

جزى الله هذا الشيخ خيرَ جزائه وعمرهُ عمراً جميلَ العوائد

“ولازال مَكْلُوءاً بعين عناية ـ دواماً ـ ولا قرَّتْ به عينُ حاسد”

فاخذ الأبيات واستحسنها واستسمنها ثم قال لي : (يابني لا أعلمُ قبيلة تطلعُ عليها الشمس أحبَّ إلي منكم ) وإذا أردتَ أن تعرف السرَّ وراءَ هذا الإعجاب ففتش عن : محمد المصطفى ابن غابد فقدْ أثنى عليه ضحوة ذلك اليوم وعلى فضل جواره للمحظرة .

رؤيته العامة :

كان في مجال السياسة واضحَ الأهداف يُساندُ منْ يَرى فيه الكفاءة والكفاية لإدارة دفَّة البلَد ، وكان مُعجبا بحكمة الرئيس المرحوم: المختار ابن داداهْ وحنكة الملك: الحسن الثاني ولا يُمكِّنُ جليسهُ منْ حكاية قول منتقدهما بلْ يشيرُ عليه بالاحتفاظ بذلك حتىَّ يبثَّهُ خارجَ بيته، لما في ذلك من إثارة البلبلة، وخلخلة التماسك الوطني ، وخطورة الشائعات في عصر أبرزُ سماته: عدم الوعي السياسي

محيطه الخاص وعلاقته به:

ما أظنُّ أحدا من قبيلته ـ بمختلف فروعها ومواطنها ـ ينتابُ انواكشوط إلا ويعرفُ أيْنَ تقعُ دارُ ابن غابد ،وقدْ قصدَ إليها سبيلاً ، إمّا مبيتاً وإمَّا مقيلاً

وكان بإحسانه العفوي بعيدا عن التباهي والتماجُد فلا ينتظرُ من المُعطَى أن يقول فيه قصيدةً أو كافاً ، رغم عدم خُلوِّ عصره من أُناس يمتَحون قرائحَ المادحين ولا يمنحون ،ويجيدون من النحو: أفعال المضارعة فقط ، وكان هو ـ رحمه الله ـ وافرَ العقل والعِرض مبذولَ العَرْض ، لا يُريدُ المكافأةَ إلاّ ممنْ لا يكافئُ الحمدُ نعمَهُ ، وما أُراني ـ وأنا أتحدثُ عن سيرته ـ إلاّ سأبعثُ بيتَ العالم اللغوي : محمدفال ابن الطالب اعمر البصادي ثم الأعجي ـ في رثاء العلامة غالي بن المختارفال البصادي ت1255هـ ـ منْ مرقده لأصفه بمضمونه، وأناجيه بمكنونه :

زَعيمٌ من الفِتيان خَرْقٌ مُرَزَّأٌ كريمٌ حميدُ السَّعْيِ في الحادثِ الإدِّ ..

رحمهُ الله رحمة واسعة لا منقطعة ولا ممتنعة وأجزل ثوابه وبارك في أولاده وذويه آمين

الكويت : 3/6/1439هـ 18/2/2018م

محمد ابراهيم بن محمد عمران ـ

​ باحث اختصاصي دراسات إسلامية