ماذا بعد مؤتمر عزيز؟ قراءة في المضامين والمآلات..

ماذا بعد مؤتمر عزيز؟ قراءة في المضامين والمآلات..

“أنا لا أخاف المظاهرات، كنت أقول لوزير الداخلية إنه إذا قضى فترة دون أن تأتيه المعارضة تريد ترخيص مظاهرة، أن يمنحها هو الترخيص لتفعل”، جانب من الحضور والكاريزما ظهر الرئيس السابق للجمهورية به في المؤتمر الصحفي الذي عقده بمنزله في مقاطعة لكصر، فحافظ بذلك على عفويته التي تكاد تكون رفيقه الوحيد الذي ظل وفيا له بعد مغادرة الحكم؛

واكأن الرئيس عزيزا أراد أن يقول بمؤتمره الصحفي: “إنني وأنا الذي خرجت من بين دخان ونار الربيع العربي سالما غانما حتى سلمت الرئاسة لأول مرة في تاريخ بلدي طوعا وبمحض إرادتي، قادرٌ على المحافظة على حضوري السياسي شاء الوشاة بيني وبين رفيق دربي أو كرهوا، وإذا فرَّ مني من كان يفِرُّ إلي، فهم من عليه أن يعجبوا لحالهم، لا أنا”.

تصدرت مؤتمر الرئيس السابق عزيز القضايا التالية:

  • العلاقة بينه وبين رفيق دربه
  • غيابه عن تخليد الاستقلال
  • مصدر أملاكه
  • الحزب
  • مستقبله السياسي

يكاد يلخص هذا الخماسي كل ما تحدث عنه الرئيس السابق عزيز في أول خروج له أمام الإعلام منذ مغادرته السلطة قبل نحو خمسة أشهر من الآن.

العلاقة مع رفيق الدرب

فيما يتعلق بالنقطة الأولى لا يمكن التحدث على وجه اليقين عن العلاقة بين الرجلين، فما يستشف من وراء السطور والكلمات وتعابير الوجه بهذا الخصوص يفوق ما صرح به ولد عبد العزيز، وهو ما يعني أن الحكم عليها انطباعي يختلف من شخص لآخر حسب فهم الإيحاءات وما لم يقَل، وإن مما يمكن أن يستشف:

  • أن علاقة الرئيس الحالي والسابق للجمهورية هي علاقة أخوة ومرافقة في الدرب لا تنقطع –أو على الأقل لم تنقطع بعد-، وهو ما يستشف من رفض ولد عبد العزيز الحديث عن علاقاتهما وتركها أمرا شخصيا، والتأكيد من وقت لآخر أن الخلاف هو على الحزب، وهذا ما يؤيده رفض رئيس الجمهورية ولد الشيخ الغزواني سابقا توجيه أية إساءة لرفيق دربه، وتأكيده في خرجاته الإعلامية النادرة أن خلافهما تم تضخيمه وأنه سيحل.
  • أن علاقتهما تمر بمرحلة ضبابية، وذلك ما يمكن أن يستشف أيضا من خلال غياب عبارات ودية من الرئيس السابق للحالي، على غرار ما كان يحدث في السابق، فعزيز لم يتحدث خلال خروجه الإعلامي عن وضع خبرته وتجربته مثلا تحت تصرف الرئيس الحالي للجمهورية.
  • أن العلاقة علاقة تتجه نحو التعقيد أكثر؛ هذا ما يفهم من حديث ولد عبد العزيز عن تعرضه للمضايقة في تنظيم مؤتمره الصحفي، ويؤشر عليه حديثه لدائنات الشيخ الرضى بألا أحد يطلبه بشيء وأن “يذهبن إلى من أرسلهن”، كما يؤشر عليه شروع نواب من بينهم نواب من الأغلبية في إجراءات محاكمته برلمانيا.

ومهما يكن فإن الفرضية الأقرب إلى الواقعية هي الفرضية الأولى، فالخطاب خلا من أي عبارات عدائية من الرئيس عزيز إلى خلفه بالرغم من عفويته وتلقائيته المعهودة، فعلا لم يتملق الرئيسَ الجديد ويستدر عطفه، وإن بدا شيء من استدرار العطف فهو بالكاد يرى وبقراءة مجهرية مخبرية دقيقة لما يكمن خلف السطور، أما ما صرح به عزيز فهو أنه ينأى بعلاقاتهما الشخصية عن خلافهما العارض، فلم تحن لحظة الصدام بالنسبة له بعد، لحظة الاتهامات الكبرى –بالعداوة للوطن مثلا-.

الغياب عن تخليد الاستقلال

يرى كثيرون أن سبب دعوة عدد من الرؤساء السابقين لحفل تخليد الاستقلال هو التغطية والتمهيد لمشاركة الرئيس السابق فيها، حتى لا تبدو أمرا غريبا أو نزاعا في رمزية الرئاسة ومشاركة في ما احتكره الرؤساء السابقون لأنفسهم، بمن فيهم الرئيس عزيز، ومن هذا المنطلق فإن غياب الرئيس عزيز يشي بعظم الفجوة التي باتت بينه وبين رفيق السلاح سابقا ورفيق الدرب حتى فاتح أغشت -على الأقل-.

ويضاعف من قوة هذا الاحتمال، تحويل عدد من قيادات تجمع الأمن الرئاسي “بازب سابقا” وما رافق ذلك من أحاديث عن محاولة انقلابية ربما يقف ولد عبد العزيز خلفها، ثم ما تلا ذلك من حضور كل معارضي عزيز السياسيين لمنصة المهرجان كأنهم يكررون تجربة “جبهة الدفاع عن الديموقراطية”، ومن حديث رئيس الجمهورية نفسه عن خلاف تم تهويله من طرف كل الموريتانيين باستثنائه، فضلا عن فرضيتي الوساطة والإقامة الجبرية.

لقد نسف ولد عبد العزيز في خرجته الإعلامية كل ما سبق، وأكد أنه لا انقلاب تمت محاولته من طرفه، عائدا إلى ظرافته المعهودة “ما أنا قائم به من الانقلابات قمت به من قبل، لقد انقلبت على حكمين” ثم يضحك هنيهة، ويعود إلى صلب الموضوع مؤكدا ألا شيء مما سبق كان، لا إقامة جبرية فهو المنتهي لتوه من جولة خارج منزله بشكل طبيعي.

أما كل ما حدث -يقول عزيز- فهو “أنني فعلا كنت في إنشيري لكن مشاغل شخصية منعتني من الحضور”؛ قد لا تكون الأمور بكل هذه البساطة لكن الأخذ بالمتوفر يبقى الأقرب إلى المنطق من اللهوث خلف الأمور البعيدة، فالرجلان متفقان في الرواية، غزواني يتحدث بإجمال عن خلاف، وعزيز يفصل أكثر ويحصر هذا الخلاف في الحزب.

الأملاك

تتباين الآراء كثيرا عندما يتعلق الأمر بعزيز والمال، يذهب بعض الأوساط إلى اتهامه بالإتيان على الأخضر واليابس في “عشرية سوداء”، وتحويل موريتانيا خلال إحدى عشرة سنة إلى سوق كبير يتبع لملكيته الشخصية وما لم يتم استنزافه من تلك القناة، مُرر عبر قنوات أخرى أبرزها صفقات التراضي، ومنهم من يصف العشرية بعشرية النماء، حتى وإن قلب أغلبهم المِجَن وصار له منها موقف جديد.

يختصر ولد عبد العزيز القصة، ويصرح: “أنا أمتلك المال لكنه ليس مال الشعب، ولقد سلمت الخزينة فاتح أغشت للرئيس الجديد بوضعية هي الأحسن في تاريخ موريتانيا، وهو ما أشهدت عليه وزير الاقتصاد والمالية آنذاك (الإداري المدير العام لاسنيم في العهد الجديد) ومحافظ البنك المركزي (ما زال يحتفظ بمنصبه) بعد سداد كل مستحقات الدولة وصرف علاوات لأفراد القوات المسلحة وقوات الأمن”.

ويسترسل عزيز لاحقا في حديثه عن الصفقات حاصرا التي تمت منها بالتراضي في اثنتين: صفقة المطار ويدافع عنها بحجم الإنجاز وضرورة التعاون مع الشركة الوطنية المنجِزة في ظرفها المالي الذي لا تحسد عليه، وصفقة شراء طائرات جديدة اعتبر عزيز أنها كانت الأنسب للبلاد.

ومع المال دائما يؤكد عزيز أنه ظل يحارب الفساد، وإلى ذلك يرجع متابعة رجلي أعمال مقيمين بالخارج لم يسمِّهما، ويطالب من يتهمونه بالفساد بتقديم الأدلة، فلا يمكن أن يكون “السارق زعيما” وطرق السرقة والنهب معروفة، وفقه.

صحيح أن الرئيس عزيز له أموال طائلة اليوم من أبرزها قصره الذي عقذ فيه مؤتمره الصحفي، لكن متابعين يرون أن دخله يخوله ذلك حيث بلغ في عشر سنوات، نحو ثمان مائة وأربعين مليون أوقية من دون علاوات ومخصصات رئيس الجمهورية؛ وربما تختلف وجهات النظر والتقديرات بهذا الخصوص، لكن وجهة نظر عزيز في مؤتمره الصحفي نحت هذا النحو، ولا شيء يستدعي الذهاب إلى غيرها ما لم يثبت.

الحزب

“المرجعية كلمة أتى بها البعض للتشويش على الحزب” كان هذا هو مربط الفرس في حديث عزيز في هذا السياق؛ تمسك عزيز بكل الخيوط التي تبقي الحزب تحت وصايته، فهو “صاحب البطاقة 001، ومتمسك بنصوص الحزب التي تعترف برئيس ونائب هم إلى جانبه سُلب منهما دورهما في قيادة حزبهما –حسب رؤية عزيز- كما سلبت منه هو مكانته كرئيس مؤسس فلم يستشر أي منهم في الموعد الجديد للمؤتمر أواخر الشهر الجاري لتمنح لأمين عام ملحق بلجنة التسيير –يضيف عزيز- وللجنة مكلفة بإعادة الهيكلة بوجه غير شرعي.

يتشبث عزيز أكثر بخيوط صلته بالحزب، فيفتش عما تقوله التشريعات الوطنية الموريتانية، فيجد خيطا آخر هو منع الدستور لرئيس الجمهورية من ترؤس أي حزب، والرئيس الحالي –يضيف سلفُه- ذهب أبعد من رئاسة الحزب إلى المرجعية التي اختلقت لتكون منصبا فوق الرئاسة.

ولأن عددا من الأحزاب في موريتانيا ترتبط بشخص أول رئيس لها، مما يجعل الأحزاب ملكية للأشخاص يمكن –وفق عزيز في مؤتمر الصحفي- أن أتمسك أنا أيضا بحزبي حزب الاتحاد من أجل الجمهورية وأطالب به، بعد أن سلب مني تحت تأثير المادة، ثم يُسـأل الرئيس السابق: أوَليست لك أنت المادة؟، فيرد: المادة بالنسبة لي ليست فقط المال، فهناك ضغوط مادية أخرى يمكن للسلطة الحاكمة ممارستها.

المستقبل السياسي

من الناحية الشكلية يظهر موقف الرئيس السابق من حزبه حزب الاتحاد من أجل الجمهورية أنه ماض في حياته السياسية، لكن المؤشرات توحي بأنه غالبا سيؤسس رفقة أنصاره القلة الذين بقوا معه حزبا سياسيا بوزن حزب العهد الوطني للديموقراطية والتنمية الحاكم في عهد سيد ولد الشيخ عبد الله؛ قد يحتفظ هذا الحزب باسم حزب الاتحاد من أجل الجمهورية إذا قرر المؤتمرون الداعمون لغزواني تغيير اسم حزبهم وإعادة الهيكلة، بعدما غيروا “المرجعية”.

ومن الناحية العملية بات الرئيس عزيز خارج حسابات التأثير، خاصة إذا قرر المضي في المواجهة السياسية مع رفيق الدرب السابق، وهو ما يؤكده حديثه خلال مؤتمره الصحفي عن عدم نيته الترشح للانتخابات القادمة واكتفائه بالنضال من أجل تعزيز الديموقراطية والحفاظ عليها، وهو ما يبرهن عليه المستوى الهائل الذي شهدته البلاد من حرية التعبير في عهده، وندرة أن يدخل أحد السجن بسبب رأي أو توجه سياسي، بل وتشهد عليه مقولته التي استعرناها في افتتاح هذه القراءة السريعة لخرجته الإعلامية محاولةً لشرح المضامين واستشراف المآلات.

واد الناقة اليوم

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: