رئيس موريتانيا يحاضر في داكار حول الأمن والسلم

رئيس موريتانيا يحاضر في داكار حول الأمن والسلم

ألقى الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني في داكار محاضرة باللغة الفرنسية استمرت حوالي عشرين دقيقة حول الأمن والسلم في القارة الإفريقية، والوضع في منطقة الساحل وتأثير استمرار الأزمة الليبية عليه، راصدا أبرز مكونات المقاربة الأمنية الموريتانية، وفي ما يلي النص الكامل للمحاضرة باللغة العربية:

“بسم الله الرحمن الرحيم

السيد رئيس جمهورية السنغال وأخي العزيز ماكى صال،

السيد الوزير الأول في جمهورية فرنسا إيدوار فليب،

السادة والسيدات الوزراء،

السيدات والسادة البرلمانيون،

السادة والسيدات الضيوف الكرام،

السادة والسيدات السفراء،

السادة والسيدات الضباط،

السادة والسيدات المدعوون،

أصحاب الفخامة أيها السادة والسيدات،

اسمحوا لى فى البداية أن أتقدم بالتهانى لصديقي وأخي الرئيس ماكى صال على جودة تنظيم ونجاح هذا المنتدى الذى أصبح بدون شك أحد أبرز اللقاءات السنوية حول إشكاليات الأمن والسلم فى العالم، خصوصا أنه يعد محطة تلاقى كافة السلطات المعنية بقضايا السلم والأمن فى إفريقيا وشبه المنطقة بشكل خاص.

أود كذلك أن أتقدم بجزيل الشكر لصديقي وأخي الرئيس ماكى صال لمنحى هذه الفرصة الثمينة بأن أكون هذه السنة ضيف شرف لهذا الحدث الهام والذي يأتي بعد أشهر فقط من استلامي لمهامي كرئيس للجمهورية الإسلامية الموريتانية.

لا شك أن هذه الدعوة والعناية الخاصة تترجم بصدق كرم الضيافة السنغالية كما تبرز بجلاء المستوى الرفيع لعلاقات الأخوة والصداقة والتاريخ و المستقبل المشترك التي تربط بين بلدينا وشعبينا.

السيد الرئيس، أصحاب الفخامة ، سيداتى سادتى،

إن موضوع المنتدى هذه السنة المتمثل فى التحديات الراهنة المرتبطة بأطراف متعددة يبدو لي واردا وأكثر تلاؤما مع بعض التحديات التي تواجهها منطقتنا .

واسمحوا لي من جهة أخرى أن أدرج هذا الموضوع في السياق الساحلي لاستنباط بعض الدروس الضرورية لفهم واستيعاب مضمون التعددية فى مجملها.

ولن أضيف لكم جديدا عند ما أقول لكم إننا نشهد منذ سنوات تدهورا متصاعدا للوضعية الأمنية فى الفضاء الساحلي وخاصة العودة المقلقة للنزاعات الفئوية بالرغم من المبادرات المختلفة المحلية والجهوية والدولية الرامية إلي إرساء السلم والأمن.

وبالنظر إلي خطورة الوضعية والمخاطر الكبيرة المحدقة بدولنا فبمقدوري أن أتوجه إليكم اليوم بدون لغة خشبية وبروح التواضع الإفريقي الأصيل وبدون أن أكون مقدم درس.

إن هشاشة الفضاء الساحلي الكبير ترتبط أساسا بثلاثة عوامل تخضع إلى حد ما للظروف المناخية غير الملائمة التي لا يمكن التنبؤ بها والضعف الهيكلي للحكامة فضلا عن الأزمات الاقتصادية و الاجتماعية والديموغرافية الهائلة التي تشمل ولو بشكل جزئي عشرا من دولنا.

يعتبر الماء سلعة نادرة يشكل النفاذ إليها مصدرا دائما للتوتر بين المجموعات فى ضوء التساقطات المطرية السنوية القليلة التى تتراوح نسبتها ما بين 150 إلى 400 مم متأثرة بعامل الانحباس الحراري مع تقلبات غير متوقعة جعلت وضعية السكان هشة. كما أن النشاطات الرعوية والزراعية التى تشكل مصدر الدخل الرئيس شهدت تراجعا حادا خلال السنوات الأخيرة مساهمة بذلك في مضاعفة حدة الفقر وهشاشة الاقتصاد وتعميق الفوارق الاجتماعية.

وفضلا عن هذا فإن تواجد مؤسسات الدولة في هذا الفضاء الصحراوي الغير مأهول يشكل تحديا كبيرا بحكم ارتفاع وتيرة تواجد الحركات الخارجة عن القانون مع ظهور الإرهاب مطلع سنوات 2000 إضافة إلى انتشار شبكات المهربين والجريمة المحلية. وقد أظهرت هذه العوامل عجز معظم دولنا عن ضمان أمنها دون دعم خارجي.

وهكذا أصبحت مساحات شاسعة مناطق سائبة تنعدم فيها رقابة الدولة تاركين بحكم ذلك السكان تحت رحمة المجموعات الإجرامية المنظمة تنظيما جيدا وذات المهارة والتجهيزات الكبيرة.

وقد تعرضت بلداننا لتحديات متزامنة من أبرزها النقص الكبير على مستوى الحكامة والعدالة الاجتماعية وضعف القدرات فى مجال الدفاع و الأمن ولكي ما يكون الأمر بهذه البساطة فإن التنسيق الجهوي والدولي يظل ناقصا فى وجه هذه التحديات المرتفعة بوتيرة متصاعدة.

وعلى المستوى الاقتصادي تواجه العديد من الدول ظروفا اقتصادية واجتماعية هشة رغم إمكاناتها الاقتصادية خاصة في مجال الموارد المنجمية مع عدم وجود مناخ أعمال جذاب.

إن الاقتصاديات القائمة أساسا على المردوية والمعاش معرضة لتقلبات الأسعار الدولية للمواد الأولية والتأثيرات المناخية.

فالاقتصاديات لم تعد تخلق المزيد من فرص العمل خاصة بالنسبة للشباب ذكورا وإناثا ضحايا نظام تربوي غير فعال استمر لسنوات طويلة.

ومما زاد الأمر تعقيدا ما شهدته الظرفية من صعوبة، زيادة على توجيه معظم موارد الدولة للدفاع والأمن على حساب قطاعات حيوية مثل الصحة والتربية والنفاذ إلى الماء الشروب وعدة مجالات أخرى.

وعلى المستوى الديموغرافي تعتبر نسبة الولادات الأكثر ارتفاعا في العالم حيث تصل نسبة الشباب الذين تقل أعمارهم عن 35 سنة إلى 70% .

هذا في الوقت الذي ينتشر فيه الجهل والفقر المدقع معرضين شبابا يفتقر إلى آفاق مستقبلية مبشرة، للضياع وتسهيل عملية تجنيدهم من طرف الجماعات ت المتطرفة وعصابات التهريب والهجرة السرية.

وعلى مستوى التهديدات الأمنية تجدر الإشارة إلى أن سقوط الحكومة الليبية سنة 2011 كان عاملا ضاعف من حدة التوتر في الفضاء الساحلي الصحراوي.

وعلى هذا الأساس فإن أي مبادرة لمحاربة ناجعة للإرهاب يجب أن تعتمد بالضرورة حل الأزمة الليبية.

إن النشاطات الإرهابية للجماعات المسلحة تسببت في موت وتهجير آلاف الأشخاص إضافة إلى غلق مئات المدارس وتهديد أكثر من عشرة ملايين شخص بالنقص في الغذاء.

كما أن الارتباط بين الجريمة المنظمة والنزاعات الفئوية تهدد السلم الاجتماعي وتزيد من خطورة الوضع الإنساني.

وفي هذا السياق يتم تمويل الجماعات المسلحة عبر أشكال التهريب المختلفة المنتشرة خاصة المخدرات حيث بلغ ريع هذه النشاطات خلال عشر سنوات عشرات مليارات اليورو .

كما أن المجموعات الإرهابية وبعض المليشيات الأخرى تخضع القوافل في المناطق التي تسيطر عليها لإتاوات مالية وتجذب هذه الشبكات السرية العديد من الشباب العاطلين عن العمل.

أصحاب الفخامة، أيها السادة والسيدات

وبعيدا عن هذه اللوحة القاتمة يجب أن نثمن مبادرات تسيير الأزمات المنبثقة عن بلداننا وشركائنا الاستراتيجيين ، تلك المبادرات التي تعددت خلال السنوات الأخيرة وكانت مساهمتها في الحلول في حدود معينة.

وبدون الدخول فى تفاصيل هذه المبادرات التى ستكون بالطبع موضوع مداخلات أخرى، سأكتفي بذكر بعضها كتلك المتعلقة بمجموعة الدول الخمس أي المبادرة الأساسية المنبثقة عن الدول المعنية نفسها والتى لم تحصل حتي الآن على الدعم المالي واللوجستى المتعهد به ، وعملية برخان التى قامت بها فرنسا ودعمتها بشكل جيد و المناورات متعددة الجنسيات فلينتلوك بالتعاون مع الولايات المتحدة الأمريكية والمينيسما فى مالي ومبادرة دول الميدان وتحالف الساحل ومسار نواكشوط ومبادرة آكرا وحديثا الخطة العملية ذات الأولوية لمجموعة دول غرب افريقيا التى رأت النور خلال قمة واغا بشراكة واعدة بين دول المنطقة.

وأود من جانب آخر أن أقاسمكم بعض العناصر الأساسية للاستراتيجية الموريتانية لمكافحة الإرهاب والتى ينوه بها أحيانا كمثال يقتدى به لما حققته من نتائج ملموسة.

وتتركز هذه الاستراتيجية حول محورين أساسيين:

– قراءة تحليلية للبيئة الجيواستراتيجية لتحديد النوعية والأسباب الجذرية للتهديد وتعزيز القدرات العملياتية القانونية والدينية والاجتماعية والاقتصادية مع المراعاة الفعالة لهذا التهديد المتعدد الأشكال.

– وعلي الصعيد القانونى مكن تعزيز الترسانة القانونية للتقاضي فيما يخص العمل الإرهابي من تسريع إجراءات المعاملة الجنائية للجرائم ذات الصلة.

إن تحديد مصادر تمويل الإرهاب تم بفضل المراقبة الدقيقة للتدفق المالي و تنظيم اجراءات الصرف وحركة الأموال فضلا عن التمويل عبر شبكة منظمات غير حكومية وهمية.

وفى مجال الدفاع والأمن فقد انصبت الجهود على التكوين والتدريب والرفع من مستوى القدرات العملياتية لقوات الجيش والأمن وتعزيز شبكات المخابرات وإعادة تنظيم المنظومة الأمنية وإنشاء وحدات خاصة مع القيام بعمليات استباقية والتنسيق النشط مع الشركاء اللإقليميين والدوليين.

ولتجفيف مصادر اكتتاب الإرهابيين تم القيام بحملة لمحاربة التطرف بإشراف من علماء أجلاء ذوى الصيت والتى مكنت من توضيح معانى وأبعاد تسامح الدين الاسلامي التى تتنافى تماما مع الخطابات الظلامية.

كما استفادة الذين أقلعوا عن فكر التطرف من برامج اقتصادية لإعادة دمجهم.

وبالعودة إلى موضوعنا لهذه السنة أود أن أقدم الملاحظات التالية:

– نلاحظ منذ عدة سنوات تصاعد نزعة وطنية تشكك فى آليات أنظمة الأمم المتحدة وبعض الاتفاقيات متعددة الأطراف المتعلقة بالبيئة والتجارة وحفظ السلم.

غير أنه فى خضم الثورة الرقمية أصبح العالم قرية واحدة تتشابك فيها رهانات الاقتصاديات الكبرى والرهنات المالية والاجتماعية والمناخية والأمنية تتجاوز الحدود الجغرافية والاجتماعية والثقافية.

ويمر التسيير المستدام لعوامل عدم الاستقرار بطابعهم العابر للأوطان بالضرورة عبر حلول جماعية.

وعلي هذا الأساس تصبح الشراكة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة الأمريكية و أوروبا والصين وروسيا واليابان ودول الخليج ودول أخرى مسألة ضرورية لتعزيز الأجهزة الأمنية وطرق حكامة الدول التى تشكل الحلقة الضعيفة. بيد أن هذا التعاون متعدد الأطراف يجب أن يعتمد مبدأي الترابط الوثيق بين الأمن والتنمية وبالدور الخاص لدعم عمل الدول المعنية مع احترام مبادئ الديمقراطية والحكامة الرشيدة ودولة القانون.

وتعد منظمة الأمم المتحدة، بصرف النظر قدراتها و حيادها إزاء السياسات المحلية والجهوية، الشريك المثالي الذي يجب عليه أن يلعب الدور الجامع للتعاون متعدد الأطراف. ولهذا فإنه من الواجب أن تتم مراجعة هيكلة المنظمة ليس فقط علي مستوى تشكلة الأعضاء الدائمين لمجلس الأمن وإنما علي صعيد سياسة حفظ السلم التى لا تتماشي و رهانات الإرهاب اليوم.

وفي هذا السياق من المهم منح الأولوية لتشكيل قوات إقليمية متنقلة وخفيفة وعارفة بالميدان باعتبار ذلك يمثل الحل الأمثل بالمقارنة مع قوة ضخمة وثابتة وبتفويض غالبا ما يكون محدودا ومكلفا.

وبالتالي فعلي منظمة الأمم المتحدة أن تمنح القوات شبه الإقليمية مثل القوة المشتركة لدول الساحل الخمس تفويضا قويا وتمويلا أكثر ديمومة.

ومن شأن هذه القوة أن تكمل الجهود الأممية المتعددة الأطراف وأن توجه إلي حفظ السلم في حال تشكيلها بالطبع مع استدامة استقرارها على المدى البعيد.

واليوم نثمن المبادرة الفرنسية الألمانية الجديدة المتعلقة بـ “الشراكة من أجل الأمن والإسقرار فى الساحل”. وإننا نرحب بهذه المبادرة إذا كانت مكملة للمبادرات الموجودة خاصة مبادرة الدول الخمس فى الساحل.

وفى الختام نؤكد أن الأمن يرتبط على نحو وثيق برهاني الحكم الرشيد والتنمية. وليس بمقدور الاستراتيجيات الرامية الى القضاء على ظاهرة الإرهاب أن تشكل أساس مقاربة شاملة تستهدف الأسباب العميقة التى تكون مصدر الإرهاب.

ولابد من اتخاذ جهود حقيقية من أجل خلق الظروف المواتية للسلم والأمن والاستقرار.

وعلي هذا الأساس من واجبنا ترقية الحكم الرشيد وجعل الكادر البشرى محورا أساسيا لكل الاستراتيجيات التنموية وضمان النفاذ الي العدالة وتعزيز الترسانة القانونية لتستجيب لمتطلبات تنامي التهديد وتأمين النفاذ الشامل الى الخدمات الأساسية ذات الجودة و اتباع سياسات اقتصادية قادرة على توفير فرص للعمل و ترقية روح الابتكار والمقاولة خاصة فى صفوف الشباب و موائمة التكوين مع حاجيات السوق ومتابعة وتجفيف مصادر تمويل الإرهاب و اعتماد سياسات محاربة التطرف بواسطة جهود العلماء الأجلاء وأخيرا تعزيز آليات التعاون الاقليمي والدولي وخاصة التعاون المتعدد الأطراف.

وأشكركم”.

%d مدونون معجبون بهذه: