خطاب موريتانيا أمام الدورة ال73 للجمعية العامة للأمم المتحدة

خطاب موريتانيا أمام الدورة ال73 للجمعية العامة للأمم المتحدة

ألقى وزير الشؤون الخارجية والتعاون الموريتاني إسماعيل ولد الشيخ أحمد ولد باباه خطاب موريتانيا أمام الدورة الثالثة والسبعين للأمم المتحدة.

وفي ما يلي النص الكامل للخطاب:

“بسم الله الرحمن الرحيمَ

السيدة الرئيسة

أصحاب الجلالة والفخامة والسمو

السيد الأمين العام للأمم المتحدة

أيها السادة والسيدات

يسعدني في البداية أن أتقدم بالتهنئة إلى السيدة الرئيسة ماريا فيرنانديز ايسبينوزا غارسيا على توليها رئاسة الدورة ( 73 ) للجمعية العامة للأمم المتحدة، متمنيًا لها كل التوفيق والنجاح في مهامها.

كما أود أن أعرب عن عميق التقدير للسيد ميروسلاف لايتشيك على الكفاءة والمهنية العالية التي أدار بها الدورة السابقة للجمعية العامة.

و في هذا المقام لا يمكن إلا أن أشيد بالجهود الكبيرة والمساعي النبيلة التي يبذلها السيد الأمين العام للأمم المتحدة السيد انطونيو غوتيريس في إصلاح وقيادة منظمتنا خدمة للسلم والأمن الدوليين .

ولا يفوتني هنا، أن أقدم أصدق التعازي القلبية وأخلص المواساة في وفاة الأمين العام السابق للأمم المتحدة السيد/ كوفي عنان الذي عرف بصدقه وإنسانيته ونبل أخلاقه، وكان لي شرف العمل معه عن قرب على ملفات عدة وبصفة خاصة الملف السوري.

السيدة الرئيسة،

أيها السيدات والسادة،

في الوقت الذي نجتمع فيه اليوم تحت هذا السقف الواحد، تتطلع شعوبنا إلي الحصول علي حقوقها العادلة والمشروعة في السلام والتنمية والعيش الكريم وبناء منظومة دولية متماسكة ومتكاملة قادرة علي الصمود في وجه التحديات التي تهدد وجود واستمرارية الحياة البشرية كالجوع والأمراض والأوبئة والإرهاب والحروب والفقر وشح الموارد وغياب محفزات النمو والكوارث الطبيعية. وإن موريتانيا على يقين من أن القيم النبيلة التي تأسست عليها هذه المنظمة ما تزال قادرة علي بناء عالم مزدهر يسوده التفاهم وتنعم شعوبه بالسلام والرفاهية.

السيدة الرئيسة،

أيها السيدات والسادة،

لقد سعت الجمهورية الإسلامية الموريتانية من خلال تنظيم القمة الحادية والثلاثين للاتحاد الإفريقي بنواكشوط في الفترة من 2 إلى 3 يوليو 2018 تحت شعار “كسب معركة الفساد.. مسار مستدام على درب تحول إفريقيا” إلي المساهمة في وضع رؤية شاملة لمواجهة التحديات المقلقة التي تمثلها ظاهرة الفساد سبيلا إلي تحرير شعوبنا الإفريقية من هذه الممارسة البشعة.

وقد قطعت موريتانيا أشواطا متقدمة في مجال محاربة الفساد حيث قامت باتخاذ مجموعة من التدابير والإجراءات ساهمت في الحد من هذه الظاهرة إذ تم تفعيل دور المؤسسات الرقابية واعتماد الشفافية في جميع التعاملات المالية وكذلك عصرنة النظام الجبائي للدولة وتطويره إضافة إلي تحديث أنظمة الدفع ووسائلها عن طريق برنامج إصلاح نقدي هذه السنة، تم بموجبه تغيير قاعدة العملة الوطنية.

وقد اعتمدت بلادنا سياسة اقتصادية متكاملة تضمن الرخاء والرفاهية للمواطنين، فشيدت الطرق والمطارات والموانئ ووفرت الخدمات الأساسية من ماء الشرب والكهرباء؛ وقامت بإصلاحات تهدف إلى تحقيق النمو المتسارع في شتى القطاعات الاقتصادية والمنجمية والنفطية؛ كما أصدرت مدونة تشجع الاستثمار وانشأت منطقة اقتصادية حرة بمدينة نواذيبو؛ ويتوقع أن يصل النمو الاقتصادي للبلد نسبة تزيد على 4%.

وللحد من التأثيرات السلبية الناجمة عن التغيرات المناخية على النمو الاقتصادي والحياة العامة؛ بادرت موريتانيا إلى تبني سياسة وطنية تهدف إلى استخدام مصادر الطاقة المتجددة والعمل على التصدي لظاهرة زحف الرمال والاهتمام بالوسط البيئي والمحميات الطبيعية، وصادقت بلادنا على مجمل الاتفاقيات الدولية ذات الصلة بالتغيرات المناخية وتحتضن نواكشوط مقر الوكالة الإفريقية للسور الأخضر الكبير.

السيدة الرئيسة،

أيها السيدات والسادة،

وعيا من الجمهورية الإسلامية الموريتانية بأن تحقيق العدالة والمساواة بين كافة أفراد المجتمع والتوزيع العادل للثروة من أهم ركائز بناء الدولة الحديثة؛ فقد أدخلت إصلاحات جذرية في مسطرتها القانونية بغية تكريس مبدأ استقلال القضاء وتقريبه من المتقاضين. وراهنت بلادنا على حرية الصحافة باعتبارها خيارا استراتيجيا بغية تكريس الديمقراطية وتعزيز ممارستها، وخلال الفترة الماضية تم إنشاءٌ صندوق عمومي لدعم الصحافة الخاصة، وتقنين الصحافة الإلكترونية، واستحداث شركة للبث الإذاعي والتلفزيوني، وإلغاء عقوبة السجن في قضايا النشر وفتح وسائل الإعلام العمومي أمام كافة الفاعلين السياسيين، لقد تحققت هذه المكاسب نتيجة للإرادة السياسية الصادقة الرامية إلى إشاعة الحرية والديمقراطية، الشيء الذي مكن بلادنا من المحافظة على مكانتها المتقدمة في ترتيب حرية الصحافة على المستوى الدولي، فحسب منظمة “مراسلون بلا حدود”، تحتل موريتانيا منذ سنوات متتالية المرتبة الأولى عربيا على مستوى حرية التعبير والصحافة حسب آخر تقرير لبرنامج الأمم المتحدة للتنمية.

لقد عملت موريتانيا على تشجيع التوافق الوطني وانتهاج سياسة الانفتاح الدائم؛ وفي هذا الإطار عُقدت العديد من اللقاءات التمهيدية والمشاورات مع مختلف أطياف المعارضة سعيا للتوافق، توجت بتنظيم حوار سياسي مفتوح بين الأغلبية والمعارضة سنة 2011 تبعه حوار آخر شامل بين أحزاب الأغلبية وبعض أحزاب المعارضة، وأطياف واسعة من المجتمع المدني والشخصيات المستقلة، في الفترة من 29 سبتمبر إلى 20 أكتوبر 2016، تمخضت عنه مخرجات أفضت إلى تعديلات دستورية بموجب استفتاء نظم في الخامس من أغسطس 2017، ساهمت في تعزيز الديمقراطية وترسيخ دولة القانون وترشيد الموارد العمومية.

وقد مثلت انتخابات الفاتح من سبتمبر الجاري، فرصة للشعب الموريتاني لاختيار ممثليه في الهيئات التشريعية والبلدية والمجالس الجهوية؛ وتكريسا لنهج اللامركزية، شهدت البلاد لأول مرة في تاريخها انتخاب مجالس جهوية تعنى بتنمية وتطوير الجهات والأقاليم المختلفة ترسيخا لإشراك المجموعات المحلية في تسيير شؤونها؛ وقد جرت هذه الانتخابات تحت إشراف لجنة انتخابية مستقلة، في جو من السلم والأمن وفي ظروف طبعتها الشفافية والنزاهة بشهادة الفرقاء السياسيين ومراقبين دوليين من الإتحاد الإفريقي وممثلي المجتمع المدني؛ وشارك فيها مختلف الطيف السياسي واحتلت فيها المرأة مكانة مميزة على مستوى الترشيحات وإحراز نتائج معتبرة منها رئاسة المجلس الجهوي لدائرة نواكشوط؛ وتعكس النتائج المحرزة من قبل النساء في الاستحقاقات الانتخابية الأخيرة المكانة التي تمنحها السياسة الوطنية لإشراك المرأة في كافة مستويات اتخاذ القرار وتمكينها من ولوج كل المناصب السياسية والعسكرية والقضائية فضلا عن منحها حصة الزامية في كل المناصب الانتخابية.

كما تولي القيادة الوطنية أهمية خاصة للشباب؛ فوضعت إستراتيجية متعددة الأبعاد تتبنى مقاربات شاملة تمس مختلف جوانب اهتمامات الشباب في المجال السياسي والفكري ومجالات التعليم والتكوين المهني والتشغيل، كما تم استحداث مجلس أعلى للشباب ووكالة وطنية للتشغيل.

السيدة الرئيسة،

ايها السيدات والسادة،

إن المكانة المهمة التي يحتلها ملف حقوق الإنسان في السياسات الوطنية تتجلي من بين أمور أخرى في مواصلة الجهود الرامية إلى تجذير حقوق الإنسان؛ فضلا عن تحسين ظروف السجون والوقاية من التعذيب ومحاربة الممارسات الضارة بالمرأة و الطفل؛ ومن جهة أخرى تتواصل تلك السياسة الهادفة إلى القضاء بصفة نهاية على مخلفات الرق، وفي هذا المضمار صنًفت التشريعات الوطنية العبودية، ضمن الجرائم ضد الإنسانية في التعديلات الدستورية لسنة 2012؛ وتعززت المنظومة القانونية بجملة من القوانين والنظم تعتمد مقاربات جديدة من بينها إنشاء محاكم مختصة بقضايا مخلفات الرق على امتداد التراب الوطني، كما تم استصدار خارطة طريق تتضمن تطبيق تسع وعشرين توصية خاصة بمحاربة الرق ومخلفاته في مارس 2014، أشادت بها المقررة الخاصة للأمم المتحدة، كما استحدثت الحكومة وكالة للتضامن الاجتماعي تعمل على محاربة الفقر ومخلفات العبودية ومن مهامها مساعدة الطبقات الأكثر هشاشة عن طريق توفير الخدمات الصحية والتعليمية وتمويل المشاريع المدرة للدخل.

السيدة الريسة،

أيها السيدات والسادة،

إن بلادنا التي دعمت نضال الشعب الجنوب إفريقي ضد سياسات التمييز العنصري لتعبر عن ارتياحها لعقد الأمم المتحدة لقمة سلام تثمينا للدور النضالي للراحل نيلسون منديلا، وفي هذا الإطار نذكر أن بلادنا كرمت المناضل والزعيم الراحل بتسمية شارع من أكبر شوارع العاصمة باسمه، كما خصصت القمة الإفريقية الملتئمة مؤخرا بنواكشوط فعاليات خاصة لإحياء ذكراه المئوية استحضارا للقيم والمثل التي كافح من أجلها.

السيدة الريسة،

أيها السيدات والسادة،

إن موقع موريتانيا الجغرافي المتميز وانتماءها العربي الإفريقي، يبوئانها مسؤولية بارزة بشأن المنظومة الأمنية والاقتصادية والبشرية في شبه المنطقة؛ ووعيا منها بهذه المسؤولية لعبت دورا محوريا في إنشاء مجموعة دول الساحل الخمس وانخرطت بشكل عملي في تشكيل القوة المشتركة لهذه المجموعة التي تتصدى اليوم بقوة للمجموعات الإرهابية في المنطقة؛ وتعمل موريتانيا من هذا المنطلق على أن يسود الانسجام والوئام في شبه المنطقة من خلال سياسة ثابتة لحسن الجوار والنأي بالبلاد عن الصراعات.

وتتابع بلادنا باهتمام قضية الصحراء الغربية، وتدعم جهود الأمم المتحدة لإيجاد تسوية ترضي الأطراف المعنية و تسهم في ترسيخ الاندماج والتكامل الاقتصادي لدول اتحاد المغرب العربي.

وتحتل القضية الفلسطينية أهمية قصوى في اهتمامات الجمهورية الإسلامية الموريتانية، وهذا ما يعكسه تشبث بلادنا بالموقف الثابت في هذا المجال، حيث دعونا في كل المناسبات إلى البحث عن حل منصف وقابل للاستمرار؛ استنادا على المرجعيات العربية والدولية ذات الصلة، يفضي إلى إقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشريف.

وفيما يخص الموضوع الليبي، فإننا ندعم مسار الأمم المتحدة والمسارات الأخرى المكملة ومن بينها عمل اللجنة الإفريقية رفيعة المستوى الخاصة بليبيا واللجنة الرباعية ودول الجوار الليبي.

وبخصوص الوضع في سوريا، نؤكد على ضرورة السعي الجاد للوصول إلى حل سياسي عبر حوار وطني شامل، يصون وحدة سوريا واستقلالها و كرامة شعبها في العيش بأمن وسلام.

وفيما يعني اليمن الشقيق، نجدد دعمنا للشرعية بقيادة فخامة الرئيس عبد ربه منصور هادي وندعو إلى وضع حد لمظاهر الانقسام، وانتهاج سبل الحل السلمي؛ وفقا للمرجعيات الثلاث وندعم جهود الأمم المتحدة الهادفة إلى إيجاد حل سياسي لهذه الأزمة.

ونؤكد دعمنا لحكومة الصومال في استعادة الأمن والاستقرار في ربوع هذا البلد الشقيق، ونجدد إدانتنا لكل الأعمال الإرهابية التي تستهدف المراكز الحيوية لدولة الصومال.

وبخصوص مسلمي الروهينغا، نجدد شجبنا وإدانتنا القوية لما تتعرض له هذه الأقلية من قتل وتشريد، وندعو المجتمع الدولي إلى تحمل مسؤولياته في إنهاء مأساة هذا الشعب المظلوم.

وفي الختام، لا يسعني إلا أن أؤكد مجددا على احترام موريتانيا لكافة التزاماتها الدولية؛ وتمسكها بالنظام الدولي المتعدد الأطراف وبمبادئ الأمم المتحدة الرامية إلى خلق عالم يسوده الأمن والاستقرار وتعيش شعوبه في رفاه وسلام.واستعدادها التام للعمل مع شركائها من أجل تحقيق أهداف التنمية المستدامة.

أشكركم والسلام عليكم”.