واد الناقة.. سطور الاتحاد وما بين سطور منافسيه/ محمد محمود ولد خوي

واد الناقة.. سطور الاتحاد وما بين سطور منافسيه/ محمد محمود ولد خوي

درج المهتمون بأي مجال من مجالات الحياة أو شأن من شؤونها على أن يقرؤوا ما بين السطور من أجل معرفة الحقائق واستكشاف الخفايا، فهو أمر يتطلب الكثير من التمعن والتبصر، بيد أن هناك أمورا تكون جلية الحقيقة مكشوفة التفاصيل لا تحتاج إلى عمق ولا تمعن ولا تبصر، وكذلك هي الخارطة السياسية لمقاطعة واد الناقة خلال الانتخابات المقبلة.

بدأ التنافس في هذه الانتخابات من أول ليلة من ليالي الحملة بين ثلاثة أحزاب سياسية انطلقت من الوهلة الأولى، ولكل منها أوراق ضغطه على الناخب الوادي، ومع تقدم الزمن ظهرت أحزاب أخرى بمستويات متفاوتة.

في هذه العجالة سأحاول التطرق إلى ما يريد كل حزب أن يغري به ناخبي المقاطعة من أجل التصويت له، حيث تعددت أساليب الأحزاب السياسية من أجل كسب ود الجماهير، منها من اتكل على “كان أبي” وفعل الرئيس وقال الرئيس وسَنُري الرئيس، دون أن يظفر هو بذاته، وإن ظفر بها وجدها في أحسن الأحوال وسيلة لا يخشاها عدو ولا يفرح بها صديق، تسعى في مرضاة موجهها، أكثر مما تنشد رضى من وجهت إليهم لنيل أصواتهم يوم الاقتراع.

ومن الأحزاب السياسية في الواد من يحاول أن يمسك العصى من النصف، يغمز في النظام ويهاجمه في ترشيحاته ويؤكد موالاته له وانسجامه مع أغلبيته الرئاسية، فيما يبدو أقرب إلى التلاعب بالجمهور والسخرية من الذات.

وبمقاطعة وادي الناقة قسم ثالث، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، يحاول جاهدا إثبات ذاته والخروج قدر المستطاع من عنق زجاجة الضعف لنيل القليل من الأضواء، ومن أولئك من استوى يوما من الأيام على سوقه، لكن الأحوال آلت به خلال السنوات الأخيرة إلى موقف عزيز قوم إذا ذل.

رابع أضلاع المربع السياسي لمقاطعة واد الناقة طرف آخر يدفعه إلى الأمام نجاحه في آخر استحقاقات انتخابية معززا بجماهيره وبجماهير أخرى مغضبة من ترشيحات أبرز المنافسين والذي لا يكاد يخلو له خطاب من مؤشرات الهزيمة، وبالعودة إلى الطرف المذكور، رابع الأضلاع، فإنه في الوقت الذي تدفعه المحفزات يعترض سبيله ما يسميه مرشحون منه بالغزو الديموغرافي الذي يقف خلفه المنافسون.

أولا. معسكر المعتصمين بحبل الرئيس

يعتصم حزب الاتحاد من أجل الجمهورية في مقاطعة واد الناقة ببرنامج الرئيس الموريتاني محمد ولد عبد العزيز، حتى إنه ليذكر السامع باللازمة التي لا يخلو منها خطاب لمسؤول حكومي طبقا للتوجيهات السامية لفخامة رئيس الجمهورية وانطلاقا من برنامجه الانتخابي الذي تشرف عليه حكومة الوزير الأول.

في ليلة افتتاح الحملة الانتخابية حشد كل حزب سياسي جماهيره، وأطرق الجميع في انتظار الاستماع للوعود الانتخابية من الحزب الحاكم والاستمتاع بها سماعا حيث يؤمنون إيمانهم بالموت أنهم لن يستمتعوا بها رؤية وواقعا، لكن الوعود للأسف ترف لم تعد تستحقه الساكنة، فمن بين نائبين مترشحين وثلاثة عمد وإدارة الحملة لم يسفر صوم خمس حجج إلا عن الإفطار على وعد غير ممكن عمليا، هو وعد المرشح لعمدة بلدية وادي الناقة بإعادة أراضي سوق المدينة إلى ملاك أصليين محتملين، ولولا أن تفندوني فإن السيد المرشح نكث بوعده في ذات المقام، حيث قيد قوله بأنه إذا لم يستطع أن ينفعهم فلن يضرهم.

وفي أهم مهرجان بعد افتتاح الحملة، أغفلت إحدى السيدات المرشحات على لائحة المجلس الجهوي لاترارزه أهم ما يؤرق جميع ساكنة الولاية من أقصاها إلى أقصاها وهو إيجاد حل لحوادث السير أو على الأقل سيارات إسعاف لتدارك من يمكن تدارك حياتهم من الضحايا، فعندما تنطلق إلى جنوب الولاية تجد طريق روصو كالوباء الفتاك لا يأمنه عابر منه، وكذلك الأمر إذا اتجهت شرقا مع طريق الأمل؛ ولقد أهملت السيدة هذا في قائمة من الوعود الانتخابية كل حضور المهرجان حتى شخصها الكريم يعرفون أنها وعود وحسب.

فرغم أن المهرجان تزامن مع حادث سير، فإن وعودها تركزت على الثقافة والرياضة، حيث وعدت بملعب في كل بلدية بالولاية ومركز ثقافي في كل مقاطعة، ولعل الأجدر هو تجاهل هذين الوعدين بدلا من الترويج لهما، فهما وفق ما غلب على الظن وقوي في النفس كلام الليل (يمحوه النهار)، وداعي ذكرهما هو تغييب هموم المواطن الحقيقية حتى من خواطر الليل.

أما سواد خطابات الاتحاد من أجل الجمهورية فانصب في اتجاه واحد يكاد يجمعه قولك إن قلت: “واعتصموا ببرنامج رئيس الجمهورية جميعا ولا تفرقوا”، فعلى ذلك المنحى اقتصر كل المترشحين في المهرجانين المذكورين، للنواب والعمد، اللهم إذا استثنينا عمدة آوليكات الذي أضاف إلى ذلك المنطق الشرائحي، وأحد النائبين تحدث عن الهدوء والمسالمة مع الخصوم، فسوى ذلك كله تمسكٌ بالبرنامج وتعويل على “الانضباط” الحزبي واستغلال للمكانة والسلطة، أو تهديد بالتتبع في حالة الخروج عن ذلك النحو كما يقول مدير الحملة على مستوى واد الناقة، وأما بالنسبة للمواطن فهو أمر ثانوي ليس الخطاب موجها إليه، حيث الانشغال هو ببقاء ساكن القصر ونيل رضاه.

ثانيا: معسكر الجمع بين الخصام والولاء

كان حزب الإصلاح أحد حزبين انطلقت حملتهما مع الحزب الحاكم في وقت واحد ليلة انطلاق الحملة الانتخابية، وبغض النظر عن شعبية العمدة منتهي الولاية وسمعته الطيبة التي يتكئ عليها الحزب، فإنه يحاول الجمع بين أمرين متناقضين حتى النخاع، هما موالة ودعم الرئيس والمجابهة الصريحة والضمنية للنظام عبر انتقاد مرشحه للبلدية ووعودِه من جهة، ومن خلال الثناء على إنجازات بلديات أدارتها المعارضة من جهة أخرى، بالمقارنة مع سائر بلديات الوطن والتي يعكس عمومها تسيير النظام، ومثال ذلك بلدية واد الناقة التي كان يديرها تواصل خلال الفترة الماضية مقارنة ببلديات نواكشوط، وقد أسهب مسؤولون بالحزب في ذلك.

ويتعهد الحزب ومرشحه للبلدية سالم ولد عبد الله لساكنة واد الناقة بالسير على ذات الدرب الذي سار عليه العمدة المختار السالم ولد التقي ومواصلة الإنجازات ذاتها التي أنجزها ولد التقي، والذي تولى العمدية سنة 2006 من حزب التكتل المعارض ثم التحق بخط النظام بعد انقلاب أغشت 2008، ثم ترشح في سنة 2013 عن حزب تواصل ونجح في مأمورية ثانية، وحاول خلال الانتخابات الحالية الترشح من الحزب الحاكم لكن الحزب مال إلى خصمه التقليدي أحمد ولد مولاي.

حقق ولد التقي خلال فترتيه نقلة نوعية على مستوى واد الناقة، يتحدث هو عنها فيقول إنه وجد البلدية مبركا للغنم السائبة ووجد أبوابها خشبية مكسرة، فتحول مقرها معه إلى مقر بلدية محترمة، وتحسب لولد التقي إنجازات أخرى من بينها توفيره لنقل التلاميذ وبناؤه أسواقا بالمدينة ومحافظته على نظافة الشوارع العامة بالمدينة عبر توفير الحاويات والسيارات، وقد جعل بذلك البلدية المشغل الأكبر في عموم المقاطعة بتوفيرها ثلاثين فرصة عمل.

على هذه الإنجازات التي وجد ولد التقي طريقه إليها عبر المعارضة ممثلة في حزب التكتل 2006 وختمها من خلال المعارضة ممثلة في تواصل (مأمورية 2013 – 2018)، وعجز عن مواصلتها عبر الحزب الحاكم، يحاول حزب الإصلاح في واد الناقة أن يجمع شعبيته، وقد فرض بالفعل شخصيته وحضوره ضمن الثلاثة الكبار في المدينة.

أما الطريف في هذا الحزب أنه بانتقاده الصريح والضمني للنظام ممثلا في حزبه، وجزاء النظام له الجزاء الذي يستدعيه المقام بمنع العمدة ولد التقي من حضور اجتماع الرئيس الأخير بأطر اترارزة، رغم كل ذلك فإن الحزب يعتبر نفسه حزبا مواليا للنظام، مما قد يضبب صورته لدى الناخب العادي، فهل أنتخبك يا أيها الحزب بوصفك معارضا لخيارات النظام ومساوئ أفعاله، أم على أساس أنك تمثل هذا النظام؟!

ثالثا: القافزون من تحت الأرض

في افتتاح الحملة الانتخابية وحتى بعد أيام من انطلاقها لم يكن هنالك إلا ثلاثة أحزاب متنافسة على الأرض في واد الناقة هي حزب الاتحاد من أجل الجمهورية الحاكم والذي يتولى إدارة بلديتي العرية وآوليكات، وحزب تواصل الممثل للمقاطعة في البرلمان والذي يدير أيضا البلدية المركزية بالمقاطعة، وحزب الإصلاح المدعوم من طرف عمدة البلدية المركزية المنسحب من تواصل أياما قليلة قبل بدء دفع الترشحات للانتخابات المرتقبة.

ومع تقدم الزمن برزت أحزاب أخرى عديدة، لكنها ظلت خافتة الأداء باهتة الصورة، منها ما لم يستطع حتى نصب خيام للمتفرجين عليه وداعميه، ومن أبرز هذه الأحزاب حزبا تكتل القوى الديموقراطية والعمل والمساواة، فقد استطاع الاثنان في مناسبات قليلة فرض وجودهما على المشهد السياسي ليس لقوة ذاتية جديدة، بل لتداخل للمصالح والمفاسد مع الأحزاب خاطفة الأضواء.

كان حزب تكتل القوى الديموقراطية أحد أبرز الأحزاب الفاعلة في المشهد السياسي بوادي الناقة، ويحسب له فيها ألف حساب، فهو المهيمن على بلدياتها والمرشح الْتُخْشَى منافسته في الانتخابات التشريعية، كان ذلك في الماضي، في انتخابات 2006، لكنه زمان وولى، وقد ضعف التكتل بعده في وادي الناقة حتى باتت المناسبة الوحيدة التي ذكر فيها في وادي الناقة خلال الحملة الحالية، هي انسحاب أحد مرشحيه المغمورين من المنافسة وانضمامه للحزب الحاكم.

سوى هذا الانسحاب، لم يعد للتكتل وجود، ويتحدث العارفون بالمقاطعة عن أن الأسر التقليدية الداعمة له لم تدعمه هذه المرة، بل انشطرت بين اللوائح المتنافسة، ويعضد ذلك ما أجابني به أحد نشطاء التكتل المتحمسين في المقاطعة حين سألته عن أسباب اختفاء صور مرشحي الحزب على مقره والاقتصار على صور رئيسه ليلة انطلاق الحملة، فأجاب ساخرا بما مضمونه الإحباط، وعبارته بالتحديد هي: “بيهم العملة اعل النجاح”.

ومن بين هذه الأحزاب حزب العمل والمساواة، وقد حاول خطف الأضواء من حزب تواصل في أهم مهرجان له بعد الافتتاح حضره قادة من الحزب بينهم نائب رئيسه العمدة السابق لبلدية دار النعيم بنواكشوط والمرشح الثاني على اللائحة الوطنية للحزب الشيخاني ولد بيبه، وكذلك الرئيس السابق للحزب والعمدة السابق لمقاطعة عرفات بالعاصمة والمرشح السابق لرئاسة الجمهورية والحالي لرئاسة المجلس الجهوي لنواكشوط لائتلاف معارض كبير، ابن مدينة واد الناقة محمد جميل منصور؛ حاول حزب العمل والمساواة من خلال هذا المهرجان خطف الأضواء عبر اختلاق مناوشات مع جمهور تواصل وشكاه إلى السلطات مدعيا أنه احتل الساحة المقابلة له، لكن السلطات أكدت أن تواصل رخص مهرجانه مكانا وزمانا.

وسوى هذين الحزبين، تكتل القوى الديموقراطية رغم عراقته وشخصيته وشعبيته في السابق، وحزب العمل والمساواة الذي ظهر من بين ثمانية وتسعين حزبا مترشحا للانتخابات الحالية، لا يوجد حزب سياسي في واد الناقة على الأرض يمكن أن تقرأ سطوره وما بينها، سوى الحزبين السابقين: الحزب الحاكم وحزب الإصلاح أو الحزب الذي يأتي في ما يلي ذكره حزب التجمع الوطني للإصلاح والتنمية “تواصل”.

رابعا: القابضون على الجمر

لا تتوقعوا مني بعد جرد كل ما سبق أن أكون محايدا، فلم يبق لي إلا أن أؤكد أن حزب التجمع الوطني للإصلاح والتنمية “تواصل” هو الخيار الأفضل على الأرض في وادي الناقة، تقديرا للمواطنين وتقديرا من المواطنين، فقد رشح نخبةً مَن لم يكن منهم من أهل السياسة معرفةً بالبرامج كان ممن يبدو الصدق جليا في كلماته، متناغما مع ما يريده الجمهور، مخاطبا الناس بما يفهمون؛ انتقادا للواقع ووعدا بالأفضل وتقديما لتجارب منتخبي الحزب خلال الفترة السابقة.

في المهرجان الافتتاحي للحزب، لم تكن الحملة تحتاج حديث مديرها عبد الرحمن حميدي في الوقت الذي يستنفر مديرو بعض الحملات كل الوسائل ويخوضون الحملات الموازية متوعدين تلميحا وتلويحا وتصريحا في بعض الأحيان، بل أغنى التواصليين عن إسهاب مدير الحملة في الحديث، جدارة المترشحين بالمناصب التي رشحوا لها، وقد ضربَ أحسنَ مثال لذلك السيد محمد محمود ولد باباه مرشح الحزب للبلدية المركزية بحضوره وكاريزماه وتفاعل الجمهور معه في الافتتاح، فقد قدم برنامجا انتخابيا يأسرنا معشر الغرباء على المدينة ليلتئذ، وقد بدا ذلك أكثر من الجمهور العريض الذي حضر الافتتاح، فالأثر الذي تركه البرنامج إقناعا لهم ونزولا لدى تطلعاتهم بادٍ.

انطبعت بقية مهرجانات الحزب كلها بالطابع الذي أخذه الافتتاح فما فوق، فخطابات بقية المترشحين نضجت أكثر وتمرنوا على تقديم برامج حزبهم ورؤاهم أكثر، متخذين لأنفسهم قواسم مشتركة، يمكن أن تختصروها في ثالوث الإنجاز والشفافية وإشراك الناس في أمرها، مختصرين كل ذلك بقول مرشحهم للنيابيات الرجل الرزين الهادئ أحمدو ولد عبد الله الكوري في أكبر مهرجانات الحزب بالمدينة إن “حملتنا حملة عهود لا حملة وعود”.

ختاما..

وخلاصة القول أن الناخب بعموم مقاطعة وادي الناقة مضطر للاختيار بين نفسه وبين النظام، فالحزب الحاكم لا يعده بشيء ولا يضمن له إلا أن تصويته للحزب تصويت لاستمرار النظام، وبقية الأحزاب يتناهشها الضعف والاستكانة أو الاتكال على الماضي، باستثناء تواصل الموجود بالفعل على الأرض والذي تحقق لواد الناقة الكثير في عهده وكانت وحدها البلديات التي يستولي عليها النظام العاجزة عن تقديم أي شيء، فبلديتا العرية وآوليكات التابعتان للنظام تحولتا خلال الفترة الماضية إلى بلديتين سيئتي الصيت، فيما سطع نجم مبادرة منتخبي تواصل (النواب وعمدة البلدية المركزية) ووصل نداها إلى مختلف نقاط المقاطعة.

أعتقد أن المواطن في النهاية سيحسم المعركة لصالح نفسه، ويصوت لتواصل في جميع اللوائح وفي جميع الدوائر، فماذا يهمه في برنامج رئيس الجمهورية إذا كان ممثلو هذا البرنامج عاجزين حتى عن تقديم الوعود، ولن يحول بين هذه المقاطعة وهذا الاحتمال إلا أحد أمرين، أولها أن يعجز تواصل عن الحيلولة دون التزوير، والثاني أن يفلح خطاب الاستعطاف الذي أطلقه وزير الخارجية وأحد أطر المقاطعة في الدولة الدبلوماسي الدولي إسماعيل ولد الشيخ أحمد مؤخرا في تحقيق المفاجأة التي سماها هو أيضا بالمفاجأة، فالأمر الطبيعي إذا سارت الأمور على نصابها هو فوز تواصل بنائبي المقاطعة وعمدتي بلديتيها الريفيتين في الشوط الأول وبعمدة بلديتها المركزية في الشوط الثاني، مع تحقيق أغلبية مريحة في لائحة المجلس الجهوي واللائحتين الوطنيتين.